وفاءً لرجل أفنى عمره في خدمة الوطن والحركة الكشفية، القائد والمربي بنــعيسى التورجي…سِفْرُ الوفاء وروحُ الكشافة…
بقلم جداد /السموني
في مدينة مكناس، حيث تمتزج الأصالة بعطر التاريخ، ويمتد عبق الماضي في الأزقة والأسوار، وُلد وترعرع رجل ليس كغيره من الرجال. رجلٌ إذا نُطِق اسمه، نُطِقَت معه القيم والمبادئ والعطاء اللامحدود. إنه بنــعيسى التورجي، القائد والمربي، وأحد أعمدة الحركة الكشفية، ليس فقط في مكناس أو المغرب، بل في الوطن العربي برمته.
منذ صباه الأول، شدّ الرحال إلى عالم الكشاف، حاملاً قلباً مملوءاً بحب الطبيعة، والانضباط، وروح الجماعة. بدأ شبلاً يخطو بثقة في دروب الحياة، ثم كشافاً، فمقدماً، فجوالاً يشق الجبال والوديان بحثاً عن الحكمة والمعنى، ثم قائداً وطنياً ودولياً، يُشار إليه بالبنان، وصاحب أثر عميق في قلوب من عرفوه أو ساروا على دربه.
لقد كان التورجي مدرسةً قائمة بذاتها، موسوعة كشفية حيّة، عُرف بتواضعه وصرامته، وذاكرته القوية التي اختزنت أسماء وتواريخ ومواقف لا تُنسى. كان مفتاح التمرينات الكشفية، وعقل المعسكرات، وقلب التداريب النابض، وصوت الشرف الكشفي الذي لا يخفت.
لم يكن حضوره يقتصر على الخيام والساحات، بل انتقل بعطائه إلى قاعات الدرس، حيث كان أستاذاً مقتدراً لمادة الاجتماعيات بثانويتي علال بن عبدالله ومولاي يوسف. وقف شامخاً، طويل القامة، قوي البنية، أنيق الخطى، يحدث تلامذته عن الوطن والتاريخ، كما يحدثهم عن الأخوّة والإخلاص.
وبعد سنوات العطاء، لم يركن للراحة، بل واصل خدمته في صمت الكبار. ترأس جمعية أساتذة التعليم المتقاعدين بعمالة الإسماعيلية، وواصل دعمه لأجيال المعلمين. ثم اختاره الناس بقلوبهم قبل صناديقهم عضواً بالمجلس البلدي لحي الزيتونة، وكان صوتاً للحق، ومرآة للصدق.
وذات مساء مبارك، حملني الشوق أنا عبدالله جداد، برفقة أخي وصديقي القائد المحامي مراد السموني، نحو بيت القائد الأب، شيخ القيادات الكشفية بنـعيسى التورجي. دخلنا بيته، فوجدناه كما كان دائماً: بيت علم وكرم ودفء.
استقبلتنا أسرته الصغيرة، الكبيرة في المروءة، بقيادة ابنته القائدة فدوى، وابنه البار القائد صلاح، وحرمه الوفية لالة عائشة. دقائق مرت، قبل أن يظهر لنا التورجي… لا كما عهدناه واقفاً منتصباً، بل على كرسي متحرك، لكنه ما زال يحمل ذات الابتسامة، وذات النظرة المضيئة التي تنشر السلام وتُشعر الزائر أنه مرحَّبٌ به كما لم يُرحب به من قبل.
مدّ يده نحونا، فهرعنا إليها… قبّلناها وقبّلنا جبينه، ووقفنا أمامه كما يُوقَف أمام القامات العالية، تلك التي تنحني لها الأرواح قبل الجباه. لم يكن الكلام كثيراً، لكن العيون قالت كل شيء، والقلوب نبضت بكل ما عجزت عنه الألسن.
بذكاءه المعهود، بدأ أخي مراد الحديث، يخاطب التورجي كأنه ما زال ذاك القائد المعافى، متجنباً الإشارة إلى ما آلت إليه صحته، فكان اللقاء مملوءاً بالحب، خالياً من الحزن. وما هي إلا لحظات، حتى دخلت القائدة فدوى تحمل الشاي والحلوى والبغرير والملوي، فامتلأت الطاولة كما امتلأت أرواحنا بالحنين والامتنان.
تحدثنا عن الزمن الجميل، عن الكشافين الأوفياء، عن الوثائق والمذكرات التي كتبها التورجي يوماً بيده، وعن رجال رافقوه الطريق: المرحوم الحاج المهدي ملوك، ورفيق النضال عبدالحميد الحجوجي… مَن مضى منهم، ومَن ينتظر، وما بدلوا تبديلاً.
كم كان المشهد مؤثراً حين كنا نقتسم الشاي مع الأب القائد، وهو يأكل من يد ابنه صلاح، ويلتفت إلينا يرمقنا بعينيه الدافئتين، ثم يشير لنا بيده، كما لو أنه يقول: “أنا بينكم… وأنتم في قلبي”.
قبيل المغادرة، رفعنا أكفّنا بالدعاء، أن يمنّ الله عليه بالشفاء، وأن يحفظ أبناءه وبناته، ثم أدينا صلاة العشاء في المسجد المجاور، وغادرنا البيت والخاطر مثقل بالحب، والذاكرة مفعمة بالمجد.
إن بنـعيسى التورجي ليس مجرد اسم في سجل الكشافة، كما يقول قائدي المحامي مراد السموني …بل هو منارة من نور، ورمز للوفاء، وعنوان لمن لا تلهيهم الدنيا عن خدمة الوطن والإنسان. هو ذلك الزاهد المتقي، الذي أفنى عمره في سبيل الطفولة والشباب، وأبى إلا أن يظل واقفاً بالقيم، ولو أقعده الجسد.
سلام عليك أيها القائد…
سلام متجدد بالعطاء ، ودعواتنا لكم بالشفاء والعافية وطول العمر وعلى قلبك الكبير، وعلى تاريخك الذي سيظل محفوراً في قلوبنا، ما دامت فينا حياة.
القائد بنعسى قائد مربي ساهم في تكوين مجموعة من القيادات . يستحق التنويه و التقدير و الاحترام يستحق التكريم الوطني