الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء بجهة العيون–الساقية الحمراء…من ملحمة التحرر إلى الورش التنموي المتجدد

بقلم : عبدالله جداد
قبل خمسين سنة، كتب المغرب واحدة من أعظم صفحات تاريخه الحديث. كانت “المسيرة الخضراء” حدثًا استثنائيًا، ليس فقط لأنه أعاد الأقاليم الجنوبية إلى حضن الوطن عبر أكبر مسيرة سلمية في القرن العشرين، بل لأنه شكّل أيضًا بداية عهد جديد من البناء، التنمية، وتعزيز الوحدة الترابية.
واليوم، وبعد نصف قرن، تعيش جهة العيون– الساقية الحمراء أكبر طفرة تنموية في تاريخها، بفضل النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية الذي أطلقه الملك محمد السادس سنة 2015، بميزانية غير مسبوقة بلغت 580 مليار درهم.
هذا التحقيق يعيد تركيب المسار كاملاً: من لحظة التحرير، إلى نهضة عمرانية واقتصادية واجتماعية جعلت من الجهة نموذجًا وطنيًا وقاريًا في التنمية المستدامة، معتمدا على محاور تتعلق ب:
- البعد التاريخي والتحرري للمسيرة الخضراء
- النموذج التنموي الجديد بالأقاليم الجنوبية
- إنجازات جهة العيون–الساقية الحمراء
- تصريحات ودور المسؤولين المحليين
- البعد الإنساني والتنمية البشرية
- مكانة العيون كمدينة مستدامة
- التحولات الجيوسياسية الأخيرة
. المسيرة الخضراء… شعب يستجيب لنداء الوطن
في الخامس من نوفمبر 1975، أعلن الملك الراحل الحسن الثاني من أكادير انطلاق المسيرة الخضراء. كان النداء واضحًا وقويًا:
“غدا إن شاء الله ستخترقون الحدود… وستطؤون أرضًا من أراضيكم… وستقبّلون أرضًا من وطنكم العزيز.”
أكثر من 350 ألف متطوع من كل مناطق المغرب لبّوا النداء، رجالًا ونساءً (10% من المشاركين)، حاملين المصاحف والأعلام الوطنية، ومتجهين نحو الصحراء بلا سلاح، في مسيرة سلام غير مسبوقة.
رافق المشاركين أطر طبية وقوات مساعدة ودرك ملكي، ووفود عربية وإسلامية، ما أعطى الحدث بعدًا دوليًا. تحت الضغط الشعبي والسياسي، اضطرت إسبانيا إلى توقيع اتفاقية مدريد في 14 نوفمبر 1975، التي أقرتها الأمم المتحدة، ليبدأ المغرب مرحلة جديدة من تثبيت سيادته على أقاليمه الصحراوية.

. من التحرير إلى البناء: بروز مسيرة تنمية شاملة
لم تكن المسيرة الخضراء حدثًا عابرًا؛ بل كانت بداية مسيرة ثانية، سماها الملك محمد السادس “مسيرة التنمية المتجددة”.
في خطابه بمناسبة الذكرى 45 للمسيرة، قال جلالته:
“المسيرة الخضراء ليست مجرد حدث وطني… بل مسيرة متجددة ومتواصلة، لجعل الصحراء قاطرة للتنمية الإقليمية والقارية.”
يشهد النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية تطورًا ملحوظًا منذ انطلاقه في عام 2015، بالتزامن مع الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء. يهدف هذا النموذج إلى تحقيق تنمية شاملة ومتوازنة تُعزز من مكانة الأقاليم الجنوبية كركيزة اقتصادية وجسر يربط المغرب بالقارة الإفريقية وبقية العالم. وتم تخصيص غلاف مالي قدره 80 مليار درهم لتطوير البنية التحتية والمرافق الأساسية وخلق فرص العمل، مما يعكس التزام المغرب بجعل هذه الأقاليم مناطق جذب للاستثمار والنمو الاقتصادي.

محاور النموذج التنموي: تشمل:
مشاريع طرق وموانئ ومطارات
مرافق صحية المستشفى الجامعي وكلية الطب والصيدلة وتعليمية نواة جامعية “المدرسة العليا للتكنولوجيا”
استثمارات في الطاقة المتجددة
مدن مهنية وكفاءات
مناطق لوجستية وصناعية
مشاريع بيئية ومجالية
برامج لدعم التشغيل وريادة الأعمال
.جهة العيون– الساقية الحمراء: طفرة تنموية غير مسبوقة
• بنية تحتية من الجيل الجديد
عرفت الجهة إنجاز مشاريع كبرى، أبرزها: الطريق السريع تيزنيت–العيون–الداخلة وتوسعة ميناء العيون ثم توسيع الطريق الساحلية وتطوير مطارات العيون والسمارة.
مراكز استشفائية جامعية ومستوصفات جديدة
• الطاقة والاقتصاد الأخضر
أصبحت الجهة قطبًا للطاقة المتجددة بفضل: ، محطات الرياح في فم الواد ومشاريع الطاقة الشمسية
وشبكات كهربائية قوية تربط الجنوب بالشمال.
• انعاش اقتصادي متنوع
قطاعات كبرى تشهد نموًا سريعًا:
ومنها على سبيل الحصر، الصيد البحري والفلاحة العصرية والنقل واللوجستيك والموانئ والصناعات التحويلية والاقتصاد الاجتماعي والتعاونيات، والمتاجر ذات العلامات الدولية الكبرى.
. شهادات من قلب الحدث… ودور القيادة المحلية في إنجاح المسيرة التنموية
• سيدي حمدي ولد الرشيد – رئيس جهة العيون الساقية الحمراء
يؤكد دائمًا أن النموذج التنموي أعطى دفعة غير مسبوقة للجهة، وأن حجم الاستثمارات جعل منها “ورشًا مفتوحًا في كل المجالات”.
• مولاي حمدي ولد الرشيد – رئيس جماعة العيون
يعتبر أن العيون أصبحت اليوم “مدينة بمعايير دولية”، وأن حصولها على جائزة المدن العربية المستدامة والمرنة تأكيد على نجاح النموذج المتوازن بين التنمية والاستدامة.
• مولاي إبراهيم الشريف – رئيس جماعة السمارة
يشيد بدور المشاريع الاجتماعية والبنية الطرقية في فك العزلة وتحسين الخدمات.
• محمد عياش – رئيس جماعة فم الواد
يرى أن مشاريع الطاقة والصيد البحري جعلت من فم الواد منطقة جذب اقتصادي وصناعي متقدم.
. الإنسان في قلب التنمية
لا يكتمل الحديث عن الطفرة إلا بالتركيز على التنمية البشرية، التي جعلت من الإنسان محورًا لكل البرامج:
- مدينة المهن والكفاءات بالعيون
- برامج دعم تشغيل الشباب
- المبادرة الوطنية للتنمية البشرية
- مشاريع محاربة الهشاشة
- تأهيل المراكز الصحية
- الاستثمار في الثقافة والهوية الحسانية
يقول “موحى آيت لحساين”، أحد المشاركين في المسيرة الخضراء:
“الصحراء قبل المسيرة كانت معزولة ومتخلفة… اليوم أصبحت نموذجًا للتنمية والاستقرار.”
6. العيون… مدينة مستدامة بجوائز عربية ودولية
تحوّلت العيون إلى مدينة حديثة، خضراء، ومرنة، بفضل:
- مساحات خضراء واسعة
- طرق دائرية وجسور جديدة
- أحياء منظمة
- مكتبة كبرى
- مراكز ثقافية للهوية الحسانية
- مشاريع بيئية ورقمية
هذا التطور مكّنها من الفوز بعدة جوائز عربية في التهيئة الحضرية والتنمية المستدامة.

7. دعم دولي للموقف المغربي: قرار مجلس الأمن الجديد
تمر الذكرى الخمسون للمسيرة الخضراء والمغرب يعيش انتصارًا دبلوماسيًا مهمًا.
فقد صوّت مجلس الأمن مؤخرًا لصالح دعم مبادرة الحكم الذاتي بالصحراء المغربية، واعتبرها الأساس الواقعي الوحيد لحل النزاع.
هذا التطور يعزز مسار التنمية ويؤكد مغربية الصحراء بشكل متزايد على المستوى الدولي.
خلاصة التحقيق: خمسون سنة… من التحرير إلى الريادة
بعد نصف قرن، نجحت المسيرة الخضراء في التحول من مجرد “احتفال وطني” إلى مشروع حضاري وتنموي، جعل من منطقة كانت مهمشة سابقًا قطبًا اقتصاديًا واستراتيجيًا.
جهة العيون–الساقية الحمراء اليوم:
- نموذج في الاستدامة
- مركز استثماري صاعد
- قاطرة للطاقة المتجددة
- قطب للتعليم والتكوين
- رمز لوحدة المغرب وسيادته
إنها مسيرة متجددة… ومسار مستمر نحو مستقبل أكثر إشراقًا.
دور المركز الجهوي للاستثمار بجهة العيون–الساقية الحمراء في تسريع التنمية وجذب الاستثمار
يشكل المركز الجهوي للاستثمار بجهة العيون–الساقية الحمراء (CRI) أحد المحركات الأساسية للطفرة التنموية التي تعرفها المنطقة. فباعتباره مؤسسة عمومية تم إعادة هيكلتها بمقتضى إصلاح عميق سنة 2019، تحوّل المركز إلى فاعل استراتيجي في جذب الاستثمارات، مواكبة المشاريع، وتبسيط المساطر الإدارية، مما جعل الجهة واحدة من الوجهات الأفضل للاستثمار بالمغرب.
1. تبسيط المساطر وتسريع معالجة ملفات الاستثمار
نفذ المركز مجموعة من البرامج الرامية إلى جعل بيئة الأعمال أكثر جاذبية، من بينها:
- رقمنة مساطر معالجة ملفات الاستثمار عبر منصة “Invest Régions”.
- تخفيض آجال دراسة المشاريع من أسابيع إلى أيام قليلة.
- اعتماد مبدأ “الشباك الموحد المتقدم” الذي يسمح للمستثمر بمتابعة جميع مراحل مشروعه من نقطة واحدة.
- تفعيل لجان جهوية موحدة لتسوية مشاكل الاستثمار، مما مكن من حل مئات الإشكالات المرتبطة بالترخيص أو العقار.
2. دعم ريادة الأعمال والمقاولات الناشئة
أطلق المركز برامج موجهة للشباب، أبرزها:
- “مواكبة 360”: برنامج يقدم دعماً تقنياً وقانونياً ومالياً للمقاولات الناشئة.
- شراكات مع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية لتمويل المشاريع في مرحلة الانطلاقة.
- تنظيم دورات تكوينية في الابتكار، التسويق، التدبير المالي، وتطوير نموذج العمل “Business Model”.
- دعم حاملي المشاريع في الحصول على التمويل من خلال برنامج “انطلاقة” ومؤسسات القروض الصغرى.
3. الاستثمار في القطاعات الاستراتيجية بالجهة
بفضل تدخلات المركز، شهدت الجهة دينامية قوية في قطاعات حيوية، منها:
• قطاع الطاقات المتجددة
تبسيط المساطر وإنجاز دراسات ترابية لتحديد أفضل المواقع لإنشاء محطات ريحية وشمسية، مما ساهم في إطلاق مشاريع كبرى بفم الواد وطرفاية.
• الصيد البحري والصناعات البحرية
نجح المركز في استقطاب استثمارات لإنشاء وحدات تحويل الأسماك، مخازن التبريد، ومناطق لوجستية مرتبطة بالموانئ.
• السياحة البيئية والصحراوية
تشجيع المستثمرين على إقامة مشاريع إقامات سياحية، مناطق ترفيهية، ومرافق رياضية مرتبطة برياضات الرمال والبحر.
• اللوجستيك والموانئ
مواكبة مشاريع مرتبطة بالمنطقة اللوجستية بفم الواد، وتيسير إجراءات المستثمرين في مجال النقل والخدمات البحرية.
4. خارطة الاستثمار الجهوي 2022–2030
أعد المركز خارطة طريق شاملة تهدف إلى:
- خلق 30 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر في أفق 2030.
- رفع قيمة الاستثمارات الخاصة بنسبة تتجاوز 40%.
- تعزيز جاذبية الجهة لتصبح مركزًا اقتصاديًا محوريًا بين المغرب وإفريقيا الغربية.
- تطوير مناطق صناعية جديدة مهيأة بالكامل لاستقبال المستثمرين.
5. مواكبة مشاريع كبرى غيّرت وجه الجهة ..
ساهم المركز الجهوي للاستثمار في تتبع وإنجاز عدة مشاريع هيكلية، منها:
- مدينة المهن والكفاءات بالعيون
- المنطقة الصناعية بفم الواد
- مشاريع الطاقة الريحية (فم الواد – طرفاية)
- وحدات التحويل السمكي بالمرسى
- مشاريع الفنادق من فئة 4 و5 نجوم
- مشاريع التجهيز الحضري الجديدة بمدينة العيون
- دعم المقاولات في إنجاز مشاريع رقمية وخدماتية حديثة
6. منصة “العقار الاستثماري”
ابتكر المركز منصة رقمية تهدف إلى:
- إظهار العقارات المتاحة للاستثمار في الجهة
- توحيد المعطيات بين الوكالات العقارية العمومية
- تمكين المستثمر من اختيار العقار المناسب لمشروعه بسهولة
هذه المنصة ساهمت في تسريع عشرات المشاريع الجديدة، خصوصًا في قطاعات الصناعة والخدمات.
7. شراكات دولية لجعل الجهة قطبًا إفريقيا
عمل المركز على نسج علاقات تعاون مع:
- وكالات إنعاش الاستثمار بدول إفريقية (السنغال، كوت ديفوار، موريتانيا)
- مراكز تجارية دولية
- مستثمرين أوروبيين في مجالات الطاقة والموانئ
وهو ما ينسجم مع رؤية الملك محمد السادس بجعل الصحراء المغربية بوابة نحو إفريقيا.
إضافة منسجمة للتحقيق الصحفي:
بهذه البرامج والمشاريع، أصبح المركز الجهوي للاستثمار عنصرًا أساسيًا في دينامية التحول التي تعيشها جهة العيون–الساقية الحمراء. فبفضل دور هذا المركز، لم تعد الجهة مجرد منطقة حدودية، بل أصبحت مجالًا استراتيجياً واعدًا جذب خلال السنوات الأخيرة مئات المشاريع، وساهم في خلق آلاف مناصب الشغل، وتطوير نسيج اقتصادي محلي حديث ومتنوع.